ابن خلدون

107

رحلة ابن خلدون

دولته ، وكان مختصّا به ، وأثيرا لديه . وأصله من برجة الأندلس ، نشأ بها ، واجتهد في العلم والتحصيل ، وقرأ ، وسمع ، وتفقّه على مشيخة الأندلس ، واستبحر في الأدب ، وبرّز في النّظم والنثر . وكان لا يجارى في كرم الطّباع ، وحسن المعاشرة ، ولين الجانب ، وبذل البشر ، والمعروف ، وارتحل إلى بجاية في عشر الأربعين والسبعمائة ، وبها الأمير أبو زكرياء بن السّلطان أبي يحيى ، منفردا بملكها ، على حين أقفرت من رسم الكتابة والبلاغة ، فبادرت أهل الدّولة إلى اصطفائه ، وإيثاره بخطّة الإنشاء ، والكتابة عن السّلطان ، إلى أن هلك الأمير أبو زكرياء ، ونصب ابنه محمد مكانه ، فكتب عنه على رسمه ، ثم هلك السّلطان أبو يحيى ، وزحف السّلطان أبو الحسن إلى إفريقية ، واستولى على بجاية ، ونقل الأمير محمدا بأهله وحاشيته إلى تلمسان ، كما تقدم في أخباره . فنزل أبو القاسم البرجي تلمسان وأقام بها ، واتّصل خبره بأبي عنان ، ابن السّلطان أبي الحسن ، وهو يومئذ أميرها . ولقيه ، فوقع من قلبه بمكان ، إلى أن كانت واقعة القيروان . وخلع أبو عنان ، « 229 » واستبدّ بالأمر ، فاستكتبه وحمله معه إلى المغرب ، ولم يسم به إلى العلامة ، لأنه آثر بها محمد بن أبي عمرو ، بما كان أبوه يعلّمه القرآن والعلم . وربي محمد بداره ، فولاه العلامة ، والبرجيّ مرادف له في رياسته ، إلى أن انقرضوا جميعا . وهلك السّلطان أبو عنان ، واستولى أخوه أبو سالم على ملك المغرب وغلب ابن مرزوق على هواه كما قدمناه ، فنقل البرجي من الكتابة ، واستعمله في قضاء العساكر ، فلم يزل على القضاء ، إلى أن هلك سنة ( . . . ) وثمانين . « 230 » وأخبرني رحمه الله أن مولده سنة عشر .

--> ( 229 ) ولد أبو عنان هذا سنة 729 بفاس ، وبويع في حياة والده ، يوم ثار عليه بتلمسان سنة 749 ، وتوفي قتيلا سنة 759 . وانظر قصة ثورته على أبيه ، وأسبابها ، في العبر 7 / 278 وما بعدها ، الاستقصا 2 / 89 ، 101 - 102 . ( 230 ) في نيل الابتهاج ص 267 ، نقلا عن ابن خلدون « . . . إلى أن هلك بعد الثمانين وسبعمائة » ، ونقل أيضا عن « فهرسة » السراج أنه توفي سنة 786 ه .